الاثنين، سبتمبر 19، 2011

أبناء الكرامة

محمد منصور

مات الأب، وأصبحت الأم الطيبة أرملة، ولديها ثلاثة أبناء. كان من الضروري وجود رجل آخر في حياتهم يحمي تلك الأسرة ويدير شؤونها وسط عالم ملئ بالطامعين والأشرار. قدر لها أن تتزوج من رجل قريب لهم ذي شأن. تصورت أنه سيكون المنقذ الذي سيرعى مصالحهم ويكون سترا لها ولأبنائها. إلا أن هذا الزوج سرعان ما تحول إلى طاغية مستبد ظالم، يعيش وينمو على إستغلال تلك المرأة المسكينة وأبنائها بالرغم من صلة القرابة بينهم، فحرمهم من كل الأموال والخيرات التي ورثوها عن الأب الفقيد، وفرض عليهم العيش في ذل ومهانة. وكلما تجرأ أحدهم لطلب شيء من حقوقهم إنهال عليه بالسب والضرب والإهانة، ووصل به الأمر أحيانا إلى إستخدام قوته وسطوته في حبس وتعذيب كل من يجرؤ منهم على مقاومته أو إعتراضه.

كان الإبن الأكبر صاحب النصيب الأكبر من التعرض للظلم حيث كان أقدمهم وأكثرهم مقاومة، وتعرض إلي أشكال من العذاب لسنوات حتى وصل إلى حالة من اليأس، وإلى قناعة بعدم جدوى مواجهة زوج الأم والإنتظار حتى يأتي فرج من عند الله. أما الإبن الأوسط فقد رأى ما ألم بأخيه الكبير، فآثر الصمت، وبمرور الوقت، تعلم أن ينافق ويساند زوج الأم الظالم أملا في تجنب شروره وطمعا في الحصول على شيء منه مقابل ذلك، فنجح في تأمين حياة لا بأس بها وسط تلك الظروف القاسية.. الإبن الأصغر كان أكثرهم حيرة ودهشة؛ فكان يرى كل من حوله وقد تحولوا إلى أشباه أشباح؛ فها هي الأم، لا يدري ما حملها على الزواج من ذلك الرجل الظالم والصبر عليه، ولماذا لا تنطق وتقول له إتق الله في وفي أبنائي؟. هل تحبهم فعلا أم أنها متواطئة معه عليهم؟. فينظر إلى حالها الذي يرثى له فيتأكد أن المسكينة ضحية مثلهم - بل أكثر منهم - إلا أنها مقهورة لا تقدر على شيء، تخاف الأسوأ من ظلم الدنيا وظلم الناس، فتؤثر الصمت الأليم مع هذا الزوج اللئيم؛ وها هو الأخ الأكبر، الذي يكن له كل الإحترام، قد شاخ مبكرا من ظلم تجربة حزينة أعيته، وأوقعته أسيرا لأحلام ضاعت مع ماضي جميل قد ذهب وأب رحيم قد مات، فأصبح غير قادر على تقبل معطيات الحاضر أو تصور أن هناك أمل آخر لجيل آخر يختلف كلية عما يحلم به هو ويتمناه؛ وينظر الإبن الأصغر إلى الإبن الأوسط، فيرى إنسانا قد ضعف أمام الإغراءت وشرى نفسه بثمن بخس بعد أن خاف من خطر المواجة والأهوال التي ستنهال عليه كما حدث مع أخيه الكبير.. وكانت الأم من شدة خوفها تعاتب الإبن الأكبر على مقاومته لزوجها الظالم، ولا تثني الإبن الأوسط عن ذلك الخنوع المهين له!.


... ... ...


إحتار الإبن الأصغر!. وتساءل: من مثلي الأعلى في هؤلاء؟. وكيف بي أن أقلد أحدا منهم وهذا هو حالهم؟. ماذا حدث لأسرتنا الجميلة، ولماذا بالله نحن لسنا كباقي الأسر التي يعيش فيها الآباء والأبناء في راحة وسعادة، وفي إحترام ومحبة وكرامة متبادلة، لا يهين أحدهم الأخر؟. هل هذا حلال لهم حرام علينا؟.. إختار الإبن الأصغر الهروب من شبح ذلك الواقع الأليم، فحاول اللجوء إلى عالم الخيال الجميل فلم يرى سوى أوهاما أخرى لا تعطي حلولا، ولا تغير شيئا مما يرضاه لهم زوج أمهم.. ثم بحث عن مخرج، فلم يرى سوى "كسر" حاجز الخوف المنيع الذي بناه حولهم زوج أمهم، بناه بينهم وبين حريتهم ليقزم أحلامهم. فولدت له إرادة - دون أن يدري - فقرر التمرد المشروع، ليس فقط على زوج الأم الظالم، بل على فكر الأم المستكين، وفكر الإبن الأكبر (المناضل القديم) صاحب الأحلام الضائعة، وفكر النفاق والتبعية للإبن الأوسط. تمرد على "ظلم" من يكره وعلى "فكر" من يحب من أجل من يحب - من أجلهم جميعا. فقام، وترك فيهم الخوف واليأس والخنوع، وذهب مباشرة إلى زوج الأم يصيح ثائرا غاضبا: أعطي أمي حقها، رد لأخي الأكبر حقه، حرر أخي الأوسط من تبعيته وعبوديته.. رد إلينا جميعا كراماتنا أيها الظالم.. لن يحول بيني وبين مطالبي اليوم سوى الموت، أقتلني إن شئت!.

ذهل زوج الأم، بل صعق من ذلك، فهذا الشاب الصغير كان أخر من يخشاه، وقد كان يحسبه تافها نكرة.. وتعجب الأخ الأكبر من شجاعة أخيه الأصغر! ولم يدري، أيفرح بتلك الفرصة ويشارك، أم يستحي من إتباع الصغير. وتأفف الأخ الأوسط من جرأة أخيه الصغير، ورفض فعلته خوفا من زوج أمه وطمعا في الإستقرار. أما الأم، فخافت كعادتها، ولم تفلح محاولاتها لمنع إبنها الغالي من الوقف ضد الزوج الظالم، فجلست منهارة تبكي وتدعو الله.. وإذا بالإبن الأصغر يتجاهلهم جميعا، وكأن لا تأثير لهم، وأستمر في مطالبه بكل ثبات داعيا أخويه للوقوف معه. وقام زوج الأم مفزوعا يعتدي علي الشاب الصغير، ومن شدة وحشيته هوى بعصاه بكل قوة على رأس الشاب فجرحه وأسقطه أرضا.

ولكن الشاب القوي سرعان ما قام متحديا والدماء تسيل من رأسه وقد قويت إرادته وإشتدت عزيمته وإزدادت ثقته بنفسه، فإذا بزوج الأم يهتز من تلك الصلابة والشجاعه العجيبة، وسارع الأخ الأكبر بالإنضمام إلى أخيه الصغير، وقاما معا بمواجهة زوج أمهما. لم يستطيع زوج الأم الظالم مواجهتهم معا، وبدأ ينهار أمام الجميع.. طالبه الإبن الأصغر بأن يطلق أمهم بعد أن فعل بها الأفاعيل، وأن يتركهم ويرحل فورا حتى يصلحوا حال تلك الأسرة البائسة. حاول زوج الأم جاهدا تدارك الموقف، فأكد على إحترامه للجميع - خاصة للإبن الأصغر - وعلى إستعداده لإصلاح ما قد فسد، ولكن لم تنفعه كل التنازلات التي قدمها بعد أن جاءت متأخرة، فرفضوا، وازدادوا توحدا وقوة.
... ... ...



فكر زوج الأم وتدبر فأدرك أنه لا أمل له، وأن النهايه قد إقتربت، فسارع بمخاطبة الإبن الأكبر، وذكره بواجبه تجاه الأسرة وتجاه أمه خاصة أنه الكبير صاحب التجربة والحكمة، ووعده أنه سيرد إليهم جميعا كل ما أخذ منهم على مر السنين، وأنه سيعطيه من اليوم حقه كاملا في أن يشارك في إدارة أموال الأسرة وتجارتها، وأنه لن يمنع عنه شيئا بعد الآن. لم يستوعب الأخ الأكبر المفاجأة. لم يكن يحلم طوال عمره بمجرد عشر ذلك فإذا به الآن يصير مسؤولا في الأمر، فوافق بدون تردد. لم يفكر كثيرا في رفض أخيه الأصغر لذلك العرض، ربما لأنه ما زال يراه صغيرا، وربما لأنه قد رأى الفزع قد تملك من الأم، وبدأت من فرط خوفها تقبل بهذا العرض. الأخ الأوسط لم يعبأ كثيرا بهذا أو بذاك حيث أنه لا يزال يعيش تحت سيطرة زوج الأم على أي حال، ولم يكن جزأ من الفكرة من الأساس، ولم يدرى إن كان هذا الأمر يمثل نفعا أم ضرا.!

أما الإبن الأصغر فشعر بالمرارة والغصة في حلقة، وتساءل: كيف تفعلون ذلك!. دعوكم مني ومن أحلامي؛ كيف بالله عليكم ترضون بعرض كهذا وتأمنون رجلا قد ظلمكم عمرا طويلا، ما أدراكم أن يغير وعودة ويأخذ حقوقكم مرة أخرى، أو أن يوهمكم أنكم قد خسرتم نصيبكم في تجارتكم!؟.. ولم يتنازل ذلك الشاب الصغير عن مبادئه وتمسك بكامل مطالبه، فإذا بالإبن الأكبر يقف ليدافع عن زوج الأم، ومعاتبا أخيه الأصغر على إستمراره في طلب إنفصال الرجل عن أمهم في هذه الظروف. وقال الإبن الأوسط لأخية الأصغر: كفاك، لقد نغصت علينا حياتنا جميعا، وكدرت عيشنا، وأقلقت راحتنا، ماذا تريد بعد ذلك.. أمجنون أنت؟

إزدادت دهشة، أو قل "صدمة" الشاب الصغير. ولكن سرعان ما استفاق، فكيف يندهش وهؤلاء هم أنفسهم من قد تمرد عليهم وعلى أفكارهم. ولولا توفيق الله له في بادئ الأمر في موقفه القوي ضد زوج الأم - ضد رغبة الجميع - لكانوا الآن جميعا لا يزالون أسرى في عهد الظلم القديم. وأقسم أن يستمر في طلبه المشروع حتى يخلص أمة وأسرته من حال الظلم والمهانة..

فقام، وترك فيهم الخوف واليأس والخنوع.. ولم يفقد الأمل، فالماضي قد رحل، والمستقبل يمد له يده مبتسما.

الأحد، يوليو 03، 2011

تغييرا أساسيا لم يحدث بعد!


كريم علي موسى

معظم ما يحدث في مصر هذه الأيام هراء في هراء !
أول أمس كان يحتفل بعيد ميلاده الواحد و الثلاثون، لم يكن يتخيل أن يأتي هذا اليوم في أعقاب ثورة عظيمة تحدث في مصر لم يمر عليها شهور .. هو من ذلك الجيل الذي حاولو برمجته على " اخترناه اخترناه و احنا معاه لما شاء الله " .. ذلك الجيل الذي حاولوا اقناعه بأنه لولا تفضل "ماما سوزان" برعاية مشروع مكتبة الأسرة لما كان بإمكان أمثاله قراءة تلك الكتب القيمة بهذا الثمن الزهيد . لم يكن يتوقع أو يتخيل أن هذا الجيل هو من سيكون السبب في رسم الملامح الجديدة لمستقبل مصر. هو أحد المصريين الذين يدرسون الدكتوراه في الولايات المتحدة الأمريكية في أحد التخصصات الهامة و التي يعتقد أن مصر تحتاجها بشدة .. يتذكر كيف كانت أعصابه تحترق هو وكل المصريين بالخارج و هم يتابعون ما يحدث في مصر يوم 25 يناير وما تلاه من أيام .. يتذكر كيف تحدى استاذه الأمريكي ذو الأصل الهندي حين سأله : ما الذي تحاولون فعله في مصر بالضبط؟ نظام مثل نظام حسني مبارك لن يسقط بهذه السهولة . يومها رد عليه بثقة : بل سيسقط ! ثقة غريبة تملكته وهو يرد بهذا الرد القاطع .. كان يشعر بأن هذه الثقة كامنة ايضا في كل شباب مصر المحتشد في ميدان التحرير في ذلك الوقت. حين سقط نظام مبارك قال له أحد اصدقاءه المصريين الذين يدرسون بنفس الجامعة " أنا على أتم إستعداد للعودة إلى مصر الان و العمل بدون مقابل لتنمية البلد " و هكذا كان شعوره هو وكل المصريين بالخارج، لقد أصبحت البلد ملكا للشعب المصري . نفس الشخص في ظل النظام السابق كان يحاول جاهدا أن يظل في أمريكا أطول فترة ممكنة و بعدها كان يخطط للعمل في أي جامعة بأية دولة عربية تؤمن له الحياه الكريمة ! تغيرت خطته مائه و ثمانين درجة بمفعول الثورة السحري .

يتذكر كل هذا بعد مرور أكثر من خمسة أشهر على ثورة 25 يناير وقد امتلأت نفسه بمزيج من الإحباط و السخط و خيبة الأمل بسبب ما يحدث في مصر ... كل ما يحدث في مصر هذه الأيام هراء في هراء .. هكذا يعتقد .. هو لا يشعر بأن مصر تعيش حالة ثورة .. بحث عن كلمة "ثورة" في أحد معاجم اللغة العربية و هو معجم المحيط عله يكون مخطئا في شعوره .. "الثورة : إندفاع عنيف نحو تغيير الأوضاع السياسية و الإجتماعية تغييرا أساسيا "- معجم المحيط . "إندفاع عنيف نحو تغيير الأوضاع" قد حدث ، لكن "تغييرا أساسيا" لم يحدث بعد.. هكذا يظن ! الإخوان المسلمين عملو .. السلفيين قالو .. البرادعي يصرح .. حمزاوي يقول .. العوا يعلن .. الدستور أولا .. الإنتخابات أولا .. بيان المجلس العسكري رقم .. هراء .. كل ما يحدث في مصر هذه الأيام هراء في هراء ! مباراة القمة ستتم في موعدها .. عمرو مصطفى يتحدى الثورة بأغنية " حافظ على ولاده " .. توفيق عكاشة و الماسونية .. حصريا إعلان فيلم " أنا بضيع يا وديع " ! فليذهب وديع إلى الجحيم .. ما هذا السفه؟ هل هذه حالة ثورية تعيشها مصر ؟!

" تغييرا أساسيا " لم يحدث بعد ! نفس تصريحات المسئولين .. نفس الطريقة العقيمة في إدارة الأمور .. نفس الطريقة المهينة في تعامل الشرطة مع الشعب .. يتذكر في العام الأول له بالولايات المتحدة الأمريكية حين حذره جاره الكوري من أنه قد رأى بالأمس أحد الأشخاص يحوم حول شقته و الشقة المجاورة له و أنه يمكن أن يكون لصا و نصحه بإبلاغ الشرطة .. وقتها كانت خلفية الشرطة المصرية راسخة في ذهنه ، إعتقد أن الأمر ليس بهذه الأهمية التي تستدعي إبلاغ الشرطة وازعاجها! فجاره فقط يشتبه في هذا الشخص و لكن شيئا لم يحدث ، إلا أنه قال في نفسه فلنجرب .. إتصل برقم 911 و بمنتهى الجدية استقبلت إحدى الشرطيات بلاغه عبر الهاتف و وعدته بأن أحد الضباط سيحضر إلى شقته في خلال عشر دقائق لإستكمال البلاغ ، و بالفعل جاء هذا الضابط بعد أقل من ثماني دقائق بوجه بشوش مبتسم ليسأله عن التفاصيل ، لم تكن هناك تفاصيل أصلا ! كانت كلمة "سيدي" تسبق كل سؤال من اسئلته .. استكمل الضابط باقي الإجراءت بسؤال ساكني الشقق المجاورة و معاينة المكان و ترك الكارت الخاص به للإتصال به في حالة وجود أي جديد و شكره جدا لأنه ابلغ الشرطة , و تم زيادة عدد الدوريات الراكبة في المنطقة التي يسكن بها! الموضوع تافه و لا يحتاج كل هذه المبالغة, لو كان في مصر لوضعوه في الحجز بتهمة إزعاج السلطات لكنهم هنا تعاملوا معه بمنتهى الإحترام و الجدية و المهنية .

" تغييرا أساسيا " لم يحدث بعد ! المنظومة التعليمية كما هي .. نفس طريقة التفكير التي عفا عليها الزمن .. نفس السياسات و الإستراتيجيات البالية .. نفس العقليات الكهلة .. يتذكر أول عام دراسي له في أمريكا و تلك الورقة التي وزعها عليهم الأستاذ الأمريكي في آخر محاضرة له و طلب منهم ملأها ثم تجميعها في مظروف مخصوص و طلب أن يتطوع احدهم لتسليم المظروف في سكرتارية القسم .. وقتها نظر إلى الورقة باستغراب .. كانت عبارة عن إستمارة تقييم للأستاذ المحاضر و للمادة العلمية و الإقتراحات التي يود اضافتها لتطوير المادة ! كيف يجرؤ الطالب على تقييم الأستاذ ؟! كيف يجرؤ المرؤوس على تقييم رئيسه ؟! هكذا علمه النظام السابق ، لكنه هنا تعلم شيئا آخر .. لا يوجد من هو فوق التقييم و المراقبه و المحاسبة .

" تغييرا أساسيا " لم يحدث بعد ! كلما إستمع إلى كلام من يطلق عليهم النخبة في وسائل الإعلام زاد غيظه .. يتحدثون عن أن الثورة لم يمر عليها إلا شهور و أن التغيير لا يتم بهذه السرعة التي يطالب بها الشعب و يضربون أمثلة ببلدان قامت بها ثورات و لم يشعر مواطنوها بالتغيير المطلوب إلا بعد سنوات . و لماذا لا نكون نحن من يضرب بنا المثل في سرعة التغيير ؟! اختزلت الثورة في الدستور أولا أم الإنتخابات أولا ! هناك أمورا أبسط من تعقيدات النخبة تلك و لا تحتاج لسنوات حتى يشعر بها المواطن .... هل نحتاج إلى سنوات لنحاكم الفاسدين و المفسدين ؟ هل نحتاج إلى سنوات للقضاء على البلطجية و عودة الأمن إلى الشارع ؟ هل نحتاج إلى سنوات لتبني مشروعات قومية تستغل فيها طاقة شباب ميدان التحرير ؟ هل نحتاج إلى سنوات لتنظيف الشوارع و تجملها ؟ هل نحتاج إلى سنوات لترسيخ قيمة العمل و اتقانه ؟ هل نحتاج إلى سنوات ليتولى الأصلح و الأكفأ مواقع المسؤلية ؟ هل و هل و هل ؟ الإجابة لا .. و عليه فإن " تغييرا أساسيا " لم يحدث بعد ، وأن معظم ما يحدث في مصر هذه الأيام هراء في هراء أو هكذا يعتقد هو !

الأربعاء، يونيو 29، 2011

وفيهم ملتحون ومنتقبات..

محمد منصور

الناس أحرار في أن تقاطع رجل الأعمال القبطي الثري الذي روج لرسومات كارتونية تسخر من المسلمين بعد أن شعروا بالإهانة من ذلك.. ولكن لماذا نرى حماسة منقطعة النظير في الدعوة للمقاطعة ولا نراها في الدعوة لعمل جماعي جاد لبناء مصر !؟ لماذا نجيد الإتحاد في الأمور السلبية التي تدعو إلى المقاطعة والكراهية - وإن كان لها سبب - ولا نجيد الإحتشاد في الأمور الإيجابية التي تدعو إلى التسامح والعمل - ولها ألف سبب !؟ هل هذا فهم صحيح للدين.؟ هذا لغر محير يحتاج إلى إجابة.!

الحمية للدفاع عن الدين أمر هام، ولكن إظهار سماحته أمر أكثر أهمية، وخاصة في وقت يهاجم فيه الإسلام - في كل الدنيا - أشد الهجوم، ويوصف ظلما بأنه دين يأمر بالتعصب والكراهية!. علينا أن ندرك أنه كلما وقع المسلمون في فخ الإستثارة والغضب والحمية كلما "تطوعوا" ليثبتوا على أنفسهم تلك التهم الباطلة، وروجوا لتلك المفاهيم الخاطئة التي تساق ضدهم من خصومهم أنهم قوم لا يعرفون معنى التسامح ولا يستطيعون التعايش مع من يختلف معهم.!

ألم يعش المسلمون في المدينة وبها منافقون وأهل كتاب؟. ألم يتعرض المسلمون، وأولهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لشتى أشكال الأذى من المنافقين وصلت إلى حد الخوض في عرضه الشريف صلى الله عليه وسلم في حادثة الإفك!. فماذا فعل صلى الله عليه وسلم مع علمه بأنهم منافقين (أسوأ من أهل الكتاب)!. هل أخذته الحمية من أجل الكرامة والدين وأمر بمقاتلة من شارك في الخوض في عرضه أو بمقاطعتهم إقتصاديا.؟ لا لم يفعل..! ألم يغضب الصديق أبو بكر رضي الله عنه من قريبه الذي كان ينفق عليه (مسطح بن أثاثة) بعدما خاض مع الخائضين، فعاتبه القرآن عتابا راقيا كى لا يجعل روح الغضب والإنتقام تسيطر عليه وتمنعه من فعل الخير.؟!

وأنا هنا لا أسقط حالة مسطح بن أثاثة المسلم الفقير على الملياردير القبطي المعاصر الذي لا يحتاج إلى مساعدة مادية بأي حال، ولكن ما قصدته هو إظهار روح التسامح في التوجيه الإسلامي، والتي أراها غائبة عن كثير من أخلاقياتنا وتعاملاتنا في وقتنا هذا. فالشاهد هنا هو خلق التسامح الذي أثبت للإسلام وأهله صفات الرقي والحضارة.

إن هذا الدين لا ينتشر بالغضب والتشدد ولكن ينتشر بالتسامح وحسن الخلق، حتى في التعامل مع الإساءة.. فقد قال تعالى: "ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم." وقال تعالى: "ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور." وقال تعالى: "لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور."

هذه أمور قد أوصانا القرآن فيها بأخلاق السماء كما في قوله تعالى : "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما." وقوله تعالى : "والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما.".. وغيرها من الآيات الكريمة.

الخطورة من دعاوى المقاطعة تلك ليست في أضرارها الإقتصادية على رجل الأعمال إياه ولا على الإقتصاد المصري، بل تكمن في تأثير ذلك التعامل الخصامي على تزايد حدة التوتر الطائفي والتعصب الديني في مصر، فكلما كانت ردة فعل أحد الطرفين على تجاوزات الطرف الآخر إنفعالية وعقابية فلن تنتهي حالة التوتر، بل ستزداد دائرة الخلاف إتساعا.. إلا أن يوقفها العقلاء والحكماء من أهل الإيمان.. ويزداد الأمر خطورة إذا ما نظرنا إلى الأخبار التي وردت مؤخرا عن دعاوى متعصبة من بعض أقباط المهجر - تنادي بالإضرار بمصالح مصر وأهلها (مسلمين ومسيحين) - ولا تسيء إلا لهم أولا.! هذا كله نتاج الفهم المتشدد والمنفعل للدين وتعاليمه - يضر ولا ينفع.!

من الحكمة إذا أن ندرك أنه لن يفيد معرفة من بدأ بالتجاوز، ولكن سيفيد أن نرى من يبادر بالتسامح.

وأخيرا، إن رأيت أخي أن من حقك أن تغضب لدينك ولنفسك بسبب الإستهزاء بالمسلمين في صورة شخصية كرتونية "ملتحية" وأخرى "منتقبة"، فعليك أن تغضب أكثر لكل فقير من فقراء مصر لا يجد ما يأكل (وفيهم ملتحون ومنتقبات)، وعليك أن تغضب أكثر من أجل كل من يعيشون في عشوائيات خربة غير آدمية (وفيهم ملتحون ومنتقبات)، وعليك أن تغضب أكثر من كل رشوة مازلت تدفع من أناس لأناس (وفيهم ملتحون ومنتقبات)، وعليك أن تغضب أكثر من نسبة الأمية المرتفعة في مصر بين أناس (فيهم ملتحون ومنتقبات)، وعليك أن تغضب أكثر من أجل أناس تهان كرامتهم وآدميتهم في عرض الطريق كل يوم (وفيهم ملتحون ومنتقبات)، وعليك أن تغضب أكثر من أجل كل مظلوم، وكل محروم من حقوقه المدنية والإجتماعية والإنسانية (وفيهم ملتحون ومنتقبات).. والأمثلة لا تنتهي، فكل ذلك أولى أن تغضب له..

عليك أن تغضب وتهب، لا لتقاطع، ولكن لتعمل ولتغير الواقع الأليم من حولك، والذي لن ينصلح بمقاطعتك لهذا أو لذاك.. إن تصورت أن غضبتك من كارتون ساخر هو كل ما يمكن أن تقدمه لدينك ووطنك فتأكد أن أمامنا بذلك قرون حتى ننهض بأمة مصرية كانت في يوم من الأيام صاحبة دين وحضارة..

إهتموا بعظائم الأمور أعزكم الله.

السبت، يونيو 25، 2011

الإتفاق بين الجميع أولا (دستور)

محمد منصور

إحتدمت الخلافات وزاد الجدال في الأوساط السياسية المصرية هذه الأيام حول موضوع " الإنتخابات أولا " أم " الدستور أولا "، وأصبح من الواضح أن هذا الخلاف قد شمل الجميع تقريبا. وبالنظر سريعا إلى الساحة السياسية في مصر نجد أن هناك ثلاثة إختيارات مطروحة حاليا تتعلق برسم خارطة الطريق بعد الثورة؛ وهذه الإتجاهات هي:

1- إجراء إنتخابات الرئاسة أولا: يقوم فيها الشعب بإنتخاب رئيس الجمهورية ونائب له أولا لإدارة شؤون البلاد في الفترة القادمة، وتجرى بعدها إنتخابات مجلس الشعب ثم وضع الدستور.
(إقتراح السيد عمرو موسى).

2- إجراء إنتخابات مجلس الشعب أولا: يقوم فيها الشعب بإنتخاب ممثلين عنه في البرلمان لتشكيل لجنة لوضع الدستور، وتجرى بعدها إنتخابات الرئاسة ثم وضع الدستور.
(إقتراح المنادين بالتصويت بنعم في "التعديلات الدستورية" الأخيرة).

3- وضع دستور توافقي أولا: يقوم فيها الشعب - تحت إشراف المجلس العسكري - بتشكيل هيئة تأسيسية تشمل 100 عضو يمثلون جميع أطياف المجتمع و 50 عضو من الفقهاء القانونيين لوضع الدستور أولا، وتجرى بعدها إنتخابات مجلس الشعب ثم إنتخابات الرئاسة.
(إقتراح فقهاء القانون الدستوري).

وتجنبا للدخول في تفاصيل المناقشات حول حيثيات إتخاذ القرار الصائب في هذا الشأن أود الإشارة الى تصور الهدف الحقيقي الذي يريد الجميع الوصول إليه، ومن ثم يمكن أن نفكر في التسلسل الذي سيؤدي الى ذلك الهدف.

فإن أراد المصريون نظاما سياسيا يراهنون فيه على شخص الرئيس القادم ورؤيته لتشكيل مستقبل البلد فعليهم بإجراء إنتخابات الرئاسة أولا، وأنا أرى أن في هذا مجازفة كبيرة، فقد يكون الرئيس المنتخب عند حسن ظن الشعب وقد يكون غير ذلك، فهذا الطريق لا يضمن تحقيق المطالب الشعبية، بل قد يعيد الأمور إلى صورة مشابهه إلى ما كانت عليه قبل الثورة.

أما إن أرادوا نظاما سياسيا يمثل نسبة كبيرة من الشعب المصري، ولنقل مثلا الطبقة المتوسطة والطبقة الفقيرة، أو المسلمين، أو رجال الاعمال الأثرياء، أو خليط من هذا وذاك، فالطريق لذلك إذا هو إجراء إنتخابات مجلس الشعب أولا، وهو ما سوف يؤدي إلى جعل تلك الفئات المنتخبة هي المسؤولة عن وضع الدستور الجديد الذي ستسير عليه البلاد في الحقبة القادمة. وأنا أرى في ذلك تجاهلا وظلما لكل من لن يستطيع النجاح في الإنتخابات ولمن لا يدرك كيف ينجح أو يمثل في البرلمان - وخصوصا ممن قاموا بالثورة - بأن يحرم من أن يكون له دور في تأسيس مستقبل بلده.

أما إن أراد المصريون نظاما يمثل "كل طوائف الشعب المصري" ويعبر عنهم جميعا فعليهم بالدستور أولا، شريطة أن يوضع ذلك الدستور بصورة ترضي كل تلك الطوائف المختلفة. وعلى الرغم من صعوبة تحقيق ذلك التوافق إلا أنه إذا نجح الشعب في ذلك فسوف يجعل كلا من الرئيس وأعضاء البرلمان المنتخبين ملزمين بهذا الدستور الشعبي، وبذلك سيحكم الدستور كلا من الرئيس ومجلس الشعب، ولن يتحكم الرئيس أو مجلس الشعب في الدستور.

يتضح من ذلك أن وضع دستورٍ توافقيٍ أولا هو الإختيار الأكثر شمولية، ويضع أسسا سليمة وعادلة للجميع من بداية طريق النهضة بعد الثورة، مما يقلل من حدوث أية مشكلات أو تقلبات في المستقبل، أما إجراء الإنتخابات أولا، والتي لا يتوقع نتائجها أحد، فسيؤدي غالبا إلى وضع دفة الأمور في أيدي أطراف وفئات بعينها دون الأخرى سيوكل إليها وضع الدستور وتشكيل الطريق السياسي للبلاد فيما بعد. وهذا بدون شك فيه محاباة وميل لأطراف وفئات من الشعب دون أخرى، ولا يؤدي إلى الإستقرار المنشود.

لن أخوض في الحديث عن الإستفتاء على التعديلات الدستورية ونسبة ال77% - والتي يقول البعض أن المنادة بالدستور أولا هو إلتفاف عليها - وذلك لأسباب عدة أبسطها أن الشعب حينها لم يكن يستفتى على " الدستور أولا أم الإنتخابات أولا" ؛ الشعب خرج ليقول نحن موافقون على تعديلات في دستور 1971 من أجل الإستقرار، ولكي نعود إلى حياتنا وأعمالنا، وكي نحمى المادة الثانية من الدستور (والتي لم تكن مطروحة من الأساس)، ثم جاء الإعلان الدستوري بعد ذلك فتجاوز نتيجة الإستفتاء، بل واتخذ طريقا أقرب لما كان ينادي به من صوتوا ب "لا" على تلك التعديلات.! أو قل إن شئت: أن المجلس العسكري قد إختار بذلك الإعلان الدستوري طريقا توافقيا بين الطرفين.

هناك أمر آخر في غاية الأهمية؛ بمشاهده تزايد سخونة التنافس بين حملات مرشحي الرئاسة ومؤيديهم - وتزامنا مع حدة الخلاف حول موضوع الدستور - علينا أن ندرك أن هناك حالة من العصبية الشديدة والتوتر بين معظم المصريين بخصوص شخص الرئيس القادم وتوجهاته وإنتماآته، وسبب ذلك أن هناك مصريون ما زالوا يرون أن رئيس البلاد هو الشخص الذي سيكون بيده مقاليد كل أمور الدولة، وصاحب الحق في إتخاذ كل القرارات، وهذا للأسف جزء كبير من فهمنا الخاطئ للسياسة الذي نشأنا عليه، ويوضح عدم معرفتنا بمبدأ "توزيع وتوازن السلطات" الغائب عن أذهان الكثيرين من الشعب.

فإذا أخذنا في الإعتبار ذلك التصور الشائع أن وضع الدستور الجديد وتشكيل مستقبل الدولة السياسي سيتم تحت أوامر وتوجيهات "سيادة" الرئيس فلك أن تتخيل مدى الإنفعال والعصبية التي ستنتاب الكثيرين نتيجة لذلك مما يجعلهم متعصبون ومنحازون للمرشح الذي يعتقدون أنه سيؤمن وضع دستور عادل يضمن لهم حقوقهم، حتى وإن لم يكن أصلح من يشغل ذلك المنصب الرفيع.

ولذلك أرى أن وضع الدستور أولا سوف يهدئ الأوضاع ويقلل كثيرا من توتر الشعب وتركيزه فقط على هوية الرئيس القادم لتحقيق أهدافه. أي أن "الدستور أولا" سيساعد على إنتخاب "موظف" لإدارة الدولة وليس "ملكا" يملك الدولة. وبذلك نتحرر من رهن مستقبل الدولة على هوية الأشخاص والأسماء، ويتأصل لدينا مبدأ إحترام دولة القانون والدستور.. وهو ما يوجد في الدول المتقدمة، ولا يوجد لدينا.

لا سبيل إلى النجاح سوى في تكوين إتفاق وطني بين كل الأطراف والقوى السياسية في مصر (قديمها وحديثها، شبابها وشيوخها، محافظيها ومتحرريها، أغنيائها وفقرائها، ومتمرسيها ومستجديها..) كي يعملوا معا لتأسيس دولة جديدة يضمن فيها الدستور الحق والعدل لكل المصريين، ولن يتم ذلك إلا عن طريق "الإتفاق بين الجميع أولا" والذي هو "دستور" في ذاته.

إتفقوا هداكم الله. 

السبت، مايو 28، 2011

من وحي الثورة ..

محمد منصور
  • مشكلة الفكر المتحجر أنه لا يلين .. بل ينهار.  
  • هناك من يعشق ركوب الموجة حتى يعلو سريعا ولا يدرى أنها قد تهلكه. وهناك من يسبح وسط الموج العاتي حتي ينقذ محبوبه من الغرق.
  • "الثائر الحق هو الذي يثور ليهدم الفساد ثم يهدأ ليبني الأمجاد" .. ماذا كان سيقول شيخنا الجليل عن ثائر يريد أن يبقي الفساد ليبني به الأمجاد.. !؟ 
  • السياسة كلها نفاق في نفاق : يا ترى -أهل الدين الراغبين في العمل السياسي- هل سيطهرون السياسة بأخلاق الدين أم سيلوثون الدين بأخلاق السياسة ؟ .. أتصور أنهم يريدون الأولى ولكن أخشى أن يقعوا في الثانية.
  • من يصل إلى الحكم بصورة غير أخلاقية لن يبقى فية بصورة أخلاقية .. ومن يصل إلى الحكم بصورة أخلاقية سيدعوا له تراب الأرض أن يبقى في الحكم ولكنه سيأبى، فالسياسة تلوث الروح.
  • السياسة لا ترحم ؛ إن اقتربت منها لوثتك وإن إبتعدت عنها أذلتك.. والشرفاء يعانون ليمارسوا السياسة بأخلاق حسنة..!
  • أسوأ ناجح هو الذي يفرح بنجاحه لوحده، وأحسن ناجح هو الذي يفرح بنجاح الجميع..
  • كارثة أن يفرض الدين على الناس عنوة فيفرون منه.. ورحمة أن يسطع نور " عدله " فيهدى الناس إليه.
  • أريد أن يعدل الحاكم فيقول الناس ما دين هذا الرجل فيقولون الإسلام - وليس العكس.
  • دولة العدل لا تقام إلا بالعدل.

الجمعة، مايو 13، 2011

الرفق.. رحمكم الله

لا أدري ما الذي يؤدي بالإنسان إلى الغضب الشديد..؟ ومن أين تأتي له الرغبة العارمة في العنف..؟ وما الذي يجعله شديد العصبية لرأيه ولفرقته..؟ وما دور الدين في كل هذا..؟

نعلم أن الشعور بالظلم والقهر قد يولدان كل هذا، وأن مرارة المعاناة قد تدفع الإنسان إلى فعل ذلك وأكثر.. ونعلم كذلك أن القرآن الكريم قد أخبرنا بأن هناك نفس " أمارة بالسوء " قد تسول له تلك الأخلاق المذمومة، وأن هناك وسواس خناس " يوسوس في صدور الناس ".. كل هذا يمكن فهمه وإدراكه، ولكن ما لا يمكن فهمه أو تقبله تحت أي مسمى هو أن نرى صورا قبيحة من العنف والقتل والعصبية تصدر من أناس يدعون التدين ويتفاخرون بأنهم ينتمون إلى دين سماوي كالإسلام الحنيف والمسيحية السمحة.. فكيف يكون الدين الداء وهو الدواء.. ؟

إن ما رأيناه وسمعناه عن التوتر الطائفي في مصر هذه الأيام والإعتداءت المتبادلة بين مسلمين ومسيحين، مرة تلو الأخرى - في إمبابة وغيرها - لهو أمر مرفوض جملة وتفصيلا؛ فمصر بعد ثورتها البيضاء الطاهرة في أشد الحاجة إلى الإستقرار الأمني والوحدة الوطنية والعمل الجماعي من أجل البناء والنهوض، ولا تحتمل أبدا في هذه الظروف أيا من تلك العداءات المقيتة والخلافات التي تقطع نسيج الوحدة الوطنية وتدفع البلد نحو حالة خطرة من الإنهيار الأمني، لا يتمناها مصري ذو بصيرة لبلده.

ومن يبرئ نفسه وفريقه بأن كل ذلك من فعل وتدبير البلطجية، وفلول النظام السابق، وعناصر مدفوعة من الخارج، أو الطرف الآخر، نقول : حتى وإن كان هذا صحيحا، فما الذي يجعلنا ننساق وراء هذه التصرفات الهوجاء حتى وإن كانت تحت شعار" نصرة الدين " ؟.. لو نشبت - والعياذ بالله - حربا أهلية في البلد من جراء ذلك - يذهب فيها المئات والألف من الأبرياء من المواطنين - هل سيكون ذلك مرضاة لله ونصرة للدين ؟..

أفلا نحكم عقولنا وضمائرنا قبل أن ندمر بلدنا بإيدينا ؟ أفلا يتحرك علماء الدين والحكماء والعقلاء أصحاب النفوذ والتأثير - لا ليدافعوا عن دينهم ويبرئوا مناهجهم - بل ليدعوا إلى التسامح والمحبة بين الجميع، والتعامل بحلم وأناه مع المشكلات الفرعية (كإسلام إمرأة أو إختطاف أخرى) والتركيز فقط على القضايا الكبرى في هذه الفترة العصيبة (الإستقرار الأمني - الوحدة الوطنية - التعافي الإقتصادي - الإصلاح السياسي ..) ؟

إن العدل لن يؤسس أو يقوم بشريعة الغاب أبدا، والقضاء الكامل في حقوق الناس - بما فيها قضايا النزاع بين المسلمين والأقباط - لن يتم تحت عباءة العصبية أو من خلال صراعات البلطجيه والعركات الصبيانية.. لابد من ترك الفصل في كل قضايا حقوق وواجبات المواطنين إلى النظام القضائي الوطني، وسلطة الجهاز الأمني الذي يحتاج إلى الإحترام والصبر والمعاونة من كل أفراد الشعب في هذا الوقت الحرج.. لن تنصلح أمورالدين والدنيا في مصر بين ليلة وضحاها؛ لابد من الحكمة والصبر الشديد في التعامل مع كل تلك الأمور حتى تستقر أحوال البلاد..

ليس من المعقول أن يتصارع راكبان على أمر أيا كان وحافلتهم قد تهوي بهم وأهلهم جميعا في الهاوية إن لم ينتبهوا ويتحدوا..!

إن أبسط مبادئ الدين هي الرفق والرحمة والتسامح. ألم يتعلم المسلم قول رسول الله: (رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى) ؟ ألم يتعلم المسيحي قول السيد المسيح: (حب عدوك.. وصلي من أجل مضطهدك) ؟ .. إن لم يمارس الإنسان المتدين هذه المبادئ فمن الذي سوف يمارسها ؟ " المتحررون "  و" العلمانيون "..!!

هناك عشرات من الأيات الكريمة والأحاديث الشريفة والنصوص الدينية التي تؤكد هذه المعاني الربانية التي تهدف إلى هداية الإنسان وتهذيبه حتى يحيى حياة طيبة وآمنة مع باقي البشر..

أنظر إلى كلام الله تعالى من سورة فصلت : (( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين (33) ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم (34) وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم (35) وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم (36) ))

هكذا إنتشرت الأديان ودعوة الأنبياء، وهكذا إنجذب إليها الناس على مر التاريخ.. أنأتي نحن الآن ونقلب رسالة الدين إلى دعوى عنف وعصبية - وحمية في غير محلها..؟

سأتركك مع مقتطفات من هدي المبعوث رحمة للعالمين حول موضوع " الرفق ". يندر صراحة أن نرى في أي دين كل هذا الكم من التوجيه إلى الرفق بكل صورة ممكنة.!

ولا أدري، أي شئ أكثر من كل هذا التأكيد على التعامل بالرفق نحتاجه من رسول الله  حتى نفهم، فهل من مستجيب..؟

---------

أحاديث شريفة عن الرفق (منقولة)



حديث: عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليكم، قالت عائشة: ففهمتها فقلت: وعلكيم السام واللعنة. قالت فقال رسول الله: (مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله)، فقلت يا رسول الله أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله: (قد قلت وعليكم).


حديث : (إن الله يحب الرفق في الأمر كله) رواه البخاري

الرفق هو : لين الجانب بالقول والفعل , والأخذ بالأسهل والدفع بالأخف . وقيل هو : اللطف والدربة وحسن التصرف والسياسة , وقيل : الرفق ضد العنف وهو اللطف وأخذ الأمر بأحسن الوجوه وأيسرها.

حديث : (من يحرم الرفق يحرم الخير كله) صحيح الجامع

قال الغزالي : الرفق محمود وضده العنف والحدة , والعنف ينتجه الغضب والفظاظة , والرفق واللين ينتجهما حسن الخلق والسلامة , والرفق ثمرة لا يثمرها إلا حسن الخلق , ولا يحسن الخلق إلا بضبط قوة الغضب , وقوة الشهوة وحفظهما على حد الاعتدال , ولذلك أثنى المصطفى صلى الله عليه وسلم على الرفق وبالغ فيه.

حديث: (من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير, ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير) رواه الترمذي

حديث: (من حرم حظه من الرفق حرم حظه من خير الدنيا والآخرة) ابن عدي

حديث: (إن الله رفيق يحب الرفق. ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف. وما لا يعطي على ما سواه) رواه مسلم

حديث: (إن الله عز وجل يحب الرفق ويرضاه ويعين عليه ما لا يعين على العنف) صحيح الترغيب / المنذري - الألباني

حديث: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه. ولا ينزع من شيء إلا شانه) رواه مسلم

حديث: (إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق) صحيح الجامع

حديث: (يا عائشة ارفقي , فإن الله إذا أراد بأهل بيت خيرا دلهم على باب الرفق) السلسلة الصحيحة / الألباني

حديث: (ما أعطي أهل بيت الرفق إلا نفعهم ولا منعوه إلا ضرهم) السلسلة الصحيحة / الألباني

حديث: (إن الله عز وجل ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق, وإذا أحب الله عبدا أعطاه الرفق, ما من أهل بيت يحرمون الرفق إلا حرموا الخير) الألباني

قال المناوي: والمراد إذا أراد بأحد خيراً رزقه ما يستعين به مدة حياته ووفقه في الأمور ولينه في تصرفه مع الناس وألهمه القناعة والمداراة التي هي رأس العقل وملاك الأمر , وإذا أراد به سوءاً ابتلاه بضد ذلك, والأول علامة حسن الخاتمة والثاني بضده. والخرق الحمق وهو نقيض الرفق.


---------